الشيخ محمد رشيد رضا

394

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ثم انتقل من ذلك إلى أحكام القتال وبيان حال المؤمنين والكافرين والمنافقين فيه ، وقد عاد في هذا السياق أيضا إلى تأكيد طاعة الرسول وحال المنافقين فيها - فناسب ان ينتقل الكلام من هذا السياق إلى بيان ما يجب على الرسول نفسه ان يحكم به بعد ما حتم اللّه التحاكم اليه وأمر بطاعته فيما يحكم ويأمر به ، فكان هذا الانتقال في بيان واقعة اشترك فيها الخصام بين من سبق القول فيهم من أهل الكتاب والمنافقين الذين سبق شرح أحوالهم في الآيات السابقة فقال عز وجل إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ أي انا أوحينا إليك هذا القرآن بتحقيق الحق وبيانه لأجل ان تحكم بين الناس بما أعلمك اللّه به من الاحكام فاحكم به وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً تخاصم عنهم وتناضل دونهم ، وهم طعمة وقومه الذين سرقوا الدرع وأرادوا ان يلصقوا جرمهم باليهودي البريء ، فهو كقوله تعالى في السورة الآتية « وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ » فالحق هو المطلوب في الحكم سواء كان المحكوم عليه يهوديا أو مجوسيا ، أو مسلما حنيفيا . قال شيخ المفسرين ابن جرير « بِما أَراكَ اللَّهُ » يعني بما أنزل اللّه إليك في كتابه وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً يقول ولا تكن لمن خان مسلما أو معاهدا في نفسه أو ماله خصيما تخاصم عنه وتدافع عنه من طالبه بحقه الذي خانه فيه » اه وتسمية اعلامه تعالى لنبيه بالاحكام إراءة يشعر بأن علمه ( ص ) بها يقيني كالعلم بما يراه بعينه في الجلاء والوضوح وقال الأستاذ الامام : هذه الجملة مستأنفة فعطفها على ما قبلها ليس من قبيل عطف المفرد على المفرد المشارك له في الحكم بل من قبيل عطف الجملة الابتدائية على جملة قبلها لارتباطهما بالمعنى العام ، والمعنى ولا تتهاون بتحري الحق اغترارا بلحن الخائنين وقوة صلابتهم في الخصومة لئلا تكون خصيما لهم وتقع في ورطة الدفاع عنهم ، وهذا الخطاب ليس خاصا بالنبي ( ص ) بل هو عام لكل من يحكم بين الناس بما أنزل اللّه كما أمر اللّه . أقول ويؤيد قول الأستاذ الامام حديث أم سلمة المتفق عليه في الصحيحين والسنن « انما أنا بشر وإنكم تختصمون اليّ ولعل بعضكم